سورة الأحزاب 033 - الدرس (10): تفسير الأيات (34 – 35)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ..."> سورة الأحزاب 033 - الدرس (10): تفسير الأيات (34 – 35)

لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات ...">


          مقال: السيرة الذاتية للشيخ محمد سعيد ملحس رحمه الله           مقال: القارئ الشيخ محمد رشاد الشريف رحمه الله           مقال: شيء مما يقوله "الآخر" عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)           مقال: من دلائل النُّبُوَّة .. خاتم النُّبوَّة           برنامج نجاحنا سبيل ودليل:  ح 5 سواعد العطاء           برنامج على رواء:  على رواء - ح37 - 9 - 12 - 2018           برنامج من كنوز النابلسي:  أسماء الله - النابلسي - 317- اسم الله البصير 2           برنامج الكلمة الطيبة:  الكلمة الطيبة - دروس من حياتنا سلفنا الصالح           برنامج تفسير القرآن- د.مصطفى حسين: تفسير مصطفى حسين - 0136 - سورة المائدة 004 - 004           برنامج على رواء:  على رواء - ح36 - 8 - 12 - 2018         

New Page 1

     سورة الأحزاب

New Page 1

تفســير القرآن الكريم ـ ســورة الأحزاب ـ (الآيات: 34 - 35)

28/05/2012 18:12:00

سورة الأحزاب (033)
الدرس (10)
تفسير الآيات : (34-35)
 
لفضيلة الدكتور
محمد راتب النابلسي
 
 

 
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الأكارم ، مع الدرس العاشر من سورة الأحزاب ، شُرِحَ بفضل الله تعالى في الدرس الماضي قوله تعالى :
﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) ﴾ .
( سورة الأحزاب )
هذه الآية مررنا عليها سريعاً ، ونظراً لما تنطوي عليه من معانٍ دقيقة تتعلَّق بالدعوة إلى الله ، رأيت أن أقف عندها وقفةً متأنية ..
﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) ﴾ .
 
لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
 
1 – ما هو البيت عند إطلاقه وعند تقييده :
أي بيتٍ هذا ؟ البيت إذا أُطلِق وعُرِّف انصرف إلى بيت الله الحرام، لأن لله في أرضه بيتاً واحداً ، وهو أول بيت .
﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾ .
( سورة آل عمران ) .
فإما أن نضيف هذا البيت إلى الله عزَّ وجل فنقول : بيت الله ، وإما أن نصفه فنقول : البيت الحرام ، أما إذا تركنا الإضافة والوصف ، وقلنا : البيت ، فلعظم شأنه ، ولتفرُّده في الأرض ، إذا قلنا : البيت فالمقصود بيت الله الحرام ، أي أن الشيء العظيم ، والشيء الشهير ، والمتفرِّد يكفي أن نعرِّفه بـ ( أل ) حتى تكون هذه ( أل ) العهد ، البيت المعهود  .
فمثلاً في دائرة معيَّنة لها مدير ، فيكفي أن تقول : جاء المدير ، ذهب المدير ، غضب المدير ، رضي المدير ، أصدر المدير هذا الأمر ، لا تحتاج أن تقول اسمه الكامل ، أو أن تقول : مدير عام المؤسَّسة ، يكفي أن تقول : المدير ، فلأن هذه المؤسَّسة ، أو هذه الدائرة لها مدير واحد ، وهو متفرِّد ، ومشهور ، ومعروف عند كل الموظَّفين ، فإذا قلت : المدير ، فهذه ( أل ) العهد ، أي المعهود .
فكلمة بيت الله الحرام ، إذا قلت : بيت الله الحرام ، فأنت بهذا أضفته ، أما إذا قلت : البيت الحرام ، فأنت بهذا وصفته ، أما إذا قلت : البيت ، فالمقصود به بيت الله الحرام ، لعِظَم شأنه ، ولرفعه مكانته ، ولتفرُّده ، وخطورته ، وعميم نفعه ، يكفي أن تُعَرِّفَهُ بـ ( أل ) فينصرف إلى بيت الله الحرام .
2 – عظمة بيت النبي عند الله وفي أعين الناس :
ولكن ربنا سبحانه وتعالى فعل الشيء نفسه مع بيت النبي ، فكما أن النبي ؛ نبيُّ هذه الأمَّة ، ورسولها ، الذي يوحى إليه ، وهو المعصوم ، هذا النبيُّ العظيم الذي جعله الله رحمةً مهداةً ، ونعمةً مسجاةً ، فكما أنه عظيم فبالتبعيَّة أهل بيته محطُّ الأنظار ، وحديث الألْسُن .
3 – ماذا لو كان بيت النبي على غير منهج الله :
فلو أن هناك مسافةً بينه وبين أهل بيته كبيرةً جداً لارتبك الناس ، ولشكَّوا في عظمة هذا الدين ، فهذا الحق الذي جاء به النبي يجب أن يكون متمثِّلاً في بيته ، فإن لم يكن كذلك فسينشأ سؤالان خطيران : أهذه الدعوة واقعيَّة ؟ إن لم تُطَبَّق في بيت النبي فليست واقعيَّةً ، وإن كان بالإمكان أن تُطَبَّق ولم تُطّبَّق ، فهناك مأخذٌ كبير على النبي عليه الصلاة والسلام ، فمن لوازم الدعوة أن تكون مطبَّقَةً ، وأن تكون قابلةً للتطبيق ومطبَّقةً في وقتٍ واحد.
فلذلك قد يرتبكُ الناس لو رأوابيت النبي على خلاف دعوته ، أو على خلاف ما جاء به ، ولهذا كما قال بعض المفسِّرين : تولَّى الله في عليائه وبنفسه تطهير أهل بيت النبي ، وهذه هي المقدِّمة  .
4 – إسقاط على واقع الدعاة :
إن الإنسان يدعو الله عزَّ وجل ، ولا تجد في بيته آثاراً لهذه الدعوة ، فمن يصدِّقه ؟ أن لا يُصدَّق ، فإن لم يكن أهله وبناته على المستوى الذي يدعو إليه ، وإن لم يأتمر هو وأهله بما يدعو ، وإن لم ينتهِ هو وأهله بما ينهى ، فكيف يصدِّق الناس دعوته ؟ فليس المهم أن تدعو إلى الله عزَّ وجل ؛ ولكن المهم أن يرى الناس من خلال حياتك الخاصَّة ، ومن خلال عملك ، وبيتك ، وتحاورك ، ونشاطك أثراً لهذه الدعوة .
إذاً : لخطورة بيت النبي عليه الصلاة والسلام في الدعوة ، إن لم يكن بيت النبي بما فيه من نساءٍ وبناتٍ وأقارب ، في المستوى الذي يليق بالنبي ، فإن أناساً كثيرين يشكِّكون في دعوة النبي ، إذاً حينما تطالب امرأة النبي عليه الصلاة والسلام ، أو إحدى أمَّهات المؤمنين بنصيبٍ أوفر من الدنيا يزيد عن حدِّ التقشُّف ، فإن الله سبحانه وتعالى يسمي هذا فاحشة ، لأنها بحق النبي فاحشة ، لعِظَم مكانه عند الله عزَّ وجل ، ولعِظَمِ شأنه ، ولذلك قال الله عزَّ وجل :
﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ (30) ﴾ .
أي إذا طالبتنَّ النبي بأكثر مما يطيق ، وإذا أردُّتن أن تخرجن النبي عن حدِّ التقشُّف والاعتدال ، فربَّما كان هذا في حقِّكنَّ فاحشة ، فالذنوب تعظُم كلَّما علا مقام الإنسان ، ولذلك قال الله عزَّ وجل :
﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ (33) ﴾ .
هذه الآية لها معنى .
﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ (33) ﴾ .
( إنما ) أداة قصر ، أي إننا قصرنا إرادة الله على تطهير أهل بيت النبي ..
﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ (33) ﴾ .
 
إنّما يُريدُ الله
 
1 – مشيئة الله وإرادته متعلِّقةٌ بالخير المطلق :
دائماً مشيئة الله وإرادته متعلِّقةٌ بالخير المطلق .
مثلاً :
﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ ﴾ .
(سورة يونس : من الآية 107)
ما قال : وإن يمسسك بنفعٍ ، أو بخيرٍ ، بل قال :
﴿ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ ﴾ .
(سورة يونس : من الآية 107)
فالخير مراد ؛ لكن الضُر يلجأ إليه عند الضرورة لحلِّ مشكلة ، ففي الأصل هذه المركبة صُنِعَت من أجل أن تسير ، إذ صُمِّمَت لتسير ، وفيها مكابح ، والمكابح ضمانٌ لسلامتها ، فالأصل في السيارة المحرِّك لا المكبح ، ولكن المكبح في بعض الحالات لابدَّ منه ، وربَّما كان في بعض الحالات هو السبيل الوحيدة لوقاية هذه المركبة من التدهور .
2 – الأصل في خَلق الإنسان الإسعاد والعلاج طارئ :
كذلك الإنسان خُلِقَ ليسعده الله عزَّ وجل ، وليرحمه ، وليرزقه ، وليتمتَّع بصحَّته ، ولكن أحياناً يأتي المرض كعلاجٍ لابدَّ منه ، ويأتي الفقر أو الخوف كعلاجٍ لابدَّ منه ، فالأصل أنك خُلِقْت للسعادة ، ولكن العلاجات الإلهيَّة تكون ضروريَّةً حينما تجنح بك القدم ، وتزلُّ بك وتتجه في طريقٍ خطيرة ، إذاً :
﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ (33) ﴾ .
فإرادة الله ـ كما قلنا من قبل ـ كل شيءٍ وقع أراده الله ، لأنه لا يقع شيءٌ في الكون إلا بإرادة الله ، وكل شيءٍ أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلِّقَةٌ بالحكمة البالغة ، وحكمته متعلِّقةٌ بالخير المُطْلَق ، فهذه المقولة تريحُ الإنسان ، وتثلج صدره .
﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ (33) ﴾ .
أي أن إرادة الله عزَّ وجل مقصورةٌ على أن يذهب عنكم الرجس ، ويطهركم تطهيراً ، وإذا كانت هذه مشيئة الله ، فأغلب الظن ، وهذا هو الحق ، أنها متَّجهةٌ إلى خلقه جميعاً ليذهب عنهم الرجس ، ويطهرهم تطهيراً .
 
لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
 
1 – ما هو الرجس ؟
 
ما هو الرِجْس ؟ هو الشيء النَجِس ، أو النَجَس ، وكلمة نَجَسْ أبلغ من النَجِس ، لأن النَجَس عين النجاسة ، أما النَجِس فشيءٌ أصابته النجاسة ، فالشيء الذي تصيبه النجاسة يمكن أن يطهر ؛ لكن عين النجاسة لا يمكن أن تطهر ، فالانحراف ، حبُّ الدنيا ، والمنافسة عليها ، وهذه الأعمال التي قد يفعلُها من هم حول النبي ، لعِظَم مكان النبي ، ولقدسيَّة دعوته ، ولأنه قِبلة الأنظار ، والمثل الأعلى ، والقدوة الكاملة ، والأسوة التي يُتَأَسَّى بها ، لذلك كان أهل بيته محطَّ نظر الله عزَّ وجل ..
﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) ﴾ .
 
فائدة جليلة مستنبطة من الاية :
 
قال بعض العلماء : إن إرادة الله في هذه الآية مقصورةٌ على إذهاب الرِجْسِ ، وإذهاب الرجس مقصورٌ على أهل البيت ، أهل البيت ، يا أهل بيت النبي ، فماذا يستنبط من هذه الآية ؟ وماذا يستفاد ؟ يُستفاد من هذه الآية أنك إذا دعوت إلى الله ، فالناس لا يلقون بالاً إلى ما تقول ؛ بل ينظرون إلى عملك ، وإلى علاقاتك ، وانضباطك ، وطاعتك ، وجهدك ، وورعك ، فإذاً أخطر من الدعوة أن تكون في مستوى الدعوة ، وأن تكون قدوةً لمن تدعو ، ومثلاً أعلى لمن تدعو ، ومناراً لهم  ، وهذا مما يُستفاد من هذه الآية ، دائماً وأبداً نحن نتمنَّى أن نفهم الآية أولاً ، وأن نطبِّقها على حياتنا ثانياً ..
﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) ﴾ .
إذاً : كل مؤمن بالتبعيَّة إذا أراد الله أن يطهِّره ، وأن يُذهِب عنه الرجس ، ويسوق له بعض الشدائد أحياناً ، أو يوقعه في ظروفٍ صعبة وينظر ماذا يفعل ، ويوجِّهه الوجهة الصحيحة ، فهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام :
(( أَدَّبَنِي رَبَّي فَأَحْسَنَ تَأدِيِبي )) .
[عن زيادة الجامع الصغير عن ابن مسعود ]
 
2 – مَن هم أهلُ النبي ؟
وشيءٌ آخر ، قبل أن ننتهي من هذه الآية ، من هم أهل بيت النبي ؟ يا تُرى زوجاته الطاهرات ؟ لو كان أهل بيت النبي زوجاته الطاهرات حصراً لجاءت الآية : إنما يريد الله ليذهب عنكنَّ الرجس أهل البيت ، لكن الله عزَّ وجل قال :
﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ (33) ﴾ .
من استبدال ضمير كنَّ بكم فَهِم العلماء أن أهل البيت هم أقرباء النبي ذكوراً وإناثاً ، وكل من يلوذ به من النساء أو الرجال ، صغاراً وكباراً ، ذكوراً وإناثاً ، من قوله تعالى :
﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) ﴾ .
والآية التي تليها هي قوله تعالى :
﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34)﴾ .
 
وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ
 
1 – معنى : اذْكُرْنَ
اذكرن بمعنى احفظن ، وبمعنى اشكرن الله عزَّ وجل على أنكن في بيت النبوَّة ، فهذه نعمةٌ عظمى أن أتيح للإنسان أن يجلس في مجالس العلم .
 
استنباطات لطيفة :
 
الاستنباط الأول :
 
فإذا أردنا أن نستنبط من هذه الآية ما يخصُّنا نحن ، فمن نِعَم الله الكبرى أن سمح الله لنا أن نُصْغِيَ إلى الحق ، فمن نعمة الله علينا أن أنزل علينا هذا القرآن ، وأن هدانا إلى سواء السبيل ، وأن بيَّن لنا في كتابه أنَّ الله كل شيء ، فإذا سمح الله لأحدكم أن يكون له مجلس علمٍ ، ومورد حقٍ ، ومَنْهَلُ علمٍ لينهل منه فهذه نعمةٌ عُظمى ، لأن الإنسان من دون علم يهبط إلى مستوى البهيمة ، وما من مشكلةٍ تقع على وجه الأرض إلا بسبب معصيةٍ لله عزَّ وجل ، وما من معصيةٍ لله عزَّ وجل إلا بسبب جهلٍ بمنهجه .
أخطر شيءٍ في حياة الإنسان أن يتعرَّف إلى منهج الله ، كما أن منهج شيءٍ في هذه الآلة المعقَّدة ، غالية الثمن ، بالغة الفائدة ، معقَّدة التركيب ، إن أثمن شيءٍ في هذه الآلة أن تتعرَّف إلى طريقة عملها وصيانتها ، وكذلك الإنسان ، فما دام هو كائنا فيه فكر ، وفيه عقل ، ونفس ،  وروح ، وجسد ، وحاجات لجسده ، وحاجات لنفسه ، ولعقله ، وله محيط ، وبيئة ، وأسرة ، وحركة كسب رزق ، وحركة ترفيهيَّة ، إنه كائن معقَّد جداً ، فهذا الكائن المعقَّد من دون منهج مشكلته كبيرة ، وسوف يُخْطِئ ، وسوف ينحرف ، ويهلك نفسه ، إذاً أخطر شيءٍ في حياة الإنسان أن يتعرَّف إلى منهج الله ، فإذا أُتيح لإنسانٍ ما أن يكون له منهلٌ علمي ، ومجلس علمٍ يستفيد منه فليلزمه ..
﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ (34) ﴾ .
 
الاستنباط الثاني :
ومعنىً آخر هو ، أن الشاب إذا نشأ في بيت علمٍ ، وكان من أبٍ صالحٍ وأمٍ صالحةٍ ، أو كان لأبٍ عالِمٍ ، فهذه نعمةٌ كبرى ، وإذا لم يستفد منها فسوف يعضُّ على أصابعه ندماً في وقتٍ ما ، لأنه شيء قريب منك ولم تستفد منه ، وأقرب شيءٍ إليك وأنت بعيدٌ عنه ، هذا الذي دعا بعضهم إلى أن يقول : أزهد الناس بالعالِم أهله وجيرانه ، فالشيء بين أيديهم ؛ الحق والصدق ، والإيمان ، والعلم ، ومع ذلك ينصرف الابن أحياناً إلى شيءٍ آخر معرضاً عن بيت العلم .
إذاً :
﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34) ﴾ .
 
والآن ننتقل إلى الآية الأخرى ، وهي قوله تعالى  :
﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35) ﴾ .
 
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ...
 
1 – التفصيل بالتذكير والتأنيث وعدم استعمال صيغة التغليب :
وأول ملاحظة : لو أن الله سبحانه وتعالى لو قال : " إن المسلمين ، والمؤمنين ، والقانتين ، والصادقين ، والصابرين ، والخاشعين، والمتصدِّقين ، والصائمين ، والحافظين فروجهم ، والذاكرين الله كثيراً أعدَّالله لهم مغفرةً وأجراً عظيماً "  .
لو أنه ألغى الأسماء المؤنَّثة فما الذي يحصل ؟ المعنى يبقى شاملاً الذكور والإناث على التَغْلِيب .
مثلاً : لو دخل إلى صفٍ تسعةٌ وثلاثون طالبةً وطالبٌ واحد ، في اللغة تقول : دخل الطُلاَّب ، ففي اللغة أو في صيغة الله الصحيحة تقول : دخل الطلاب ، لأن ألفاظ التذكير تشمل ألفاظ التأنيث على سبيل التغليب ، وهذه قاعدة معروفة في اللغة .
إذاً : لو أن الله عزَّ وجل اكتفى بقوله : إن المسلمين والمؤمنين .. إلخ ، لكان المعنى إن المسلمين والمسلمات ، ولكن لماذا ذكر المسلمين والمسلمات ؟
1 – الحكمة من التفصيل بالتذكير والتأنيث :
هذا الذي قلته لكم في درسٍ سابق : أراد الله عزَّ وجل بهذه الآية أن يؤكِّد على أن المرأة كالرجل تماماً في التكليف وفي التشريف ، مكلَّفةٌ بالإسلام ، وبالإيمان ، وبالقنوت ، وبالصبر، والخشوع ، والصدقة ، والصوم ، وحفظ الفَرْجِ ، وذكر الله ، كالرجل تماماً ، وهذا يؤكِّده آياتٌ أخرى ، يقول الله عزَّ وجل :
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ .
(سورة النحل : من الآية 97 )
ولو أن الله عزَّ وجل قال : من عمل صالحاً وهو مؤمن ، فهو بهذا يعني من ذكرٍ أو أنثى ، فماذا جاء بـ ( مِن ) البيانيَّة ، من ذكرٍ أو أنثى ليؤكِّد لنا أن الذكر كالأنثى ، أو أن الأنثى كالذكر ، مكلَّفةٌ ومشرَّفة ، بل إن الأنثى المؤمنة لها مكانةٌ عند الله تزيد على ألف رجل ، أو عن مئة ألف رجلٍ عاصٍ ـ كما قال سيدنا عمر لسيدنا سعد ـ قال له : << يا سعد ، لا يغرَّنك أنك خال رسول الله " .
النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان يلقى سعداً يقول له مداعباً :
(( هذا خالي ، فَلْيُرِنِي امرُؤٌ خالَه )) .
[الحاكم في المستدرك عن جابر]
وفي بعض المعارك وقف سيدنا سعد موقفاً مشرِّفاً وفيه بذلٌ وتضحية ، فقال عليه الصلاة والسلام لسعدٍ كلمةً ما قالها لغيره ، قال :
(( يا سعد ارم فداك أبي وأمي )) .
[ابن ماجه ، أحمد عن علي]
فلما رآه سيدنا عمر بعد وفاة رسول الله قال له: << يا سعد ، لا يغرَّنك أنه قد قيل : خال رسول الله ، فالخلق كلُّهم عند الله سواسية ، ليس بينه وبينهم قرابةٌ إلا طاعتهم له >> .
فالذكر والأنثى ، والنساء والرجال ، والشباب والشابَّات ، والفتيان والفتيات ، والبنات والصِبيان ، عند الله سواسية ، ليس بينهم قرابةٌ إلا طاعتهم لله ، فالمرأة المطيعة قريبةٌ من الله عزَّ وجل ، بينما الرجل العاصي بعيدٌ عنه .
إذاً : ما ذكر الله عزَّ وجل كلمة :
﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ (35) ﴾ .
إلى آخر الآية ، إلا ليؤكِّد قيمة المرأة ، ومساواتها بالرجل ، وأنها مكلَّفةٌ ومشرَّفة ، كما قلنا في درسٍ سابق .
 
تنبيه مهم : وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى
 
1 – خصائص المرأة ليست كخصائص الرجل :
لكن الآية الكريمة الأخرى حيث يقول الله عزَّ وجل :
﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى (36) ﴾
( سورة آل عمران )
تعني أن للمرأة خصائص ؛ في عقلها ، وفي نفسها ، وفيها بُنْيَتِهَا الاجتماعيَّة ، وفي قِوامها ، وفي بنيتها العضوية والفسيولوجيَّة تميِّزها عن الرجل ، وأن للرجل عقليَّةً ، ونفسيَّةً ، وبنيةً اجتماعيَّةً ، وخصائص فسيولوجيَّة تميِّزه عن المرأة ، هذا معنى قوله تعالى :
﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى (36) ﴾
( سورة آل عمران )
2 – انتشار الفساد بسبب تغيير وظيفة المرأة :
وما في الأرض من فسادٍ اجتماعي إلا بسبب أن نضع الرجل مكان المرأة ، وأن نضع المرأة مكان الرجل ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :
(( لَعَنَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ ، وَلَعَنَ الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ )) .
[من سنن ابن ماجة عن ابن عبَّاس]
 الآن إلى معاني هذه الصفات التي يوصف بها المؤمن ..
﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ (35) ﴾ .
 
إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ
         
1 – معنى الإسلام :
الإسلام أيها الأخوة انصياعٌ لأمر الله ، فالمسلم هو الذي يأتمر بما أمر الله ، وينتهي عما عنه نهى ، ولا يسمَّى المسلمُ مسلماً إلا إذا أطاع الله .
2 – مَن هو المسلم ؟
فالمسلم بالتعريف الدقيق هو : الذي خضع لله في كل شؤون حياته، ما دام منهج الله منهجاً كاملاً ، فالخضوع لهذا المنهج في الأمر والنهي هو ما يعنيه الإسلام في هذه الآية.
2 – ما هو الإيمان ؟
أما الإيمان :
﴿ قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ .
( سورة الحجرات : من الآية 14 )
ومعنى هذا أن الإيمان درجة أعلى من الإسلام ، لمجرَّد أن تخضع لله عزَّ وجل ، بصرف النظر عن أسباب خضوعك ، وعن درجة خضوعك ، وعن دوافع خضوعك ، وعن أهدافك من خضوعك فأنت مسلم ، لكن الإيمان شيءٌ آخر ، الإيمان تصديقٌ وإقبال ، لأن الكفر تكذيبٌ وإعراض ، ففي الإيمان يوجد شيءٌ فكري وشيءٌ نفسي ، أما الإسلام فمادي ، فهذه العين يجب أن تغضَّ عن محارم الله لأنها مسلمة ، وهذه اليد ، وهذا اللسان ، وهذه الأذن ، فحينما تنساق الجوارح إلى طاعة الله هذا هو الإسلام ، ولكن حينما يصدِّق العقل والقلب بما جاء عن الله عزَّ وجل ، وحينما يقبل الإنسان على الله عزَّ وجل ، فهذا هو الإيمان ، الإيمان درجة أعلى فيها جانب فكري وجانب نفسي ، الجانب الفكري التصديق ، والجانب النفسي الإقبال ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام :
 (( ليس الإيمان بالتمني ـ أيْ التشهّي ـ ولا بالتحلي ، ولكن ما وقر في القلب ، وأقرَّ به اللسان ، وصدَّقه العمل )) .
[الجامع الصغير عن أنس بسند فيه مقال كبير]
معظم الناس يدعون : جعلنا الله مؤمنين ، ويتمنى أن يرزقه الله الجنَّة ، وأن يجعله عند حسن ظنِّه ، فدائماً يدعو الله ، وهذا شيءٌ جميل ، ولكن لا ترى في عمله ما يتناسب مع هذا الدعاء ، هذا التمني ـ ولا بالتحلي ـ فإذا كتب أحدهم : ]إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [في محلِّه التجاري فهل صار مؤمناً ؟ وإذا كتب : ]بِسْمِِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [، ويا رضاء الله ورضاء الوالدين ، على مركبته ، فهل صار مؤمناً ؟ هذا التحلي ، فقد تلبس لباساً إسلامياً ، وتمسك مسبحة ، وتتعطَّر ، وتذهب إلى المسجد ، وأن تضع في بيتك آيات قرآنيَّة ، آية الكرسي ، وبعض الآيات ، وأن تحتفل بعيد مولد رسول الله احتفالاً جيِّداً جداً ، وأن تحضر فرقة منشدين ، وتأتي بعالِم جليل ليلقي لك كلمة ، وتوزِّع الحلويات والملبَّس ، ولكن ليس هذا الإيمان ، هذا تحلٍ ، فهناك تمنٍ وهناك تحلٍ ، والنبي عليه الصلاة والسلام قال :
(( ليس الإيمان بالتمني ، ولا بالتحلي ، ولكن ما وقر في القلب ، وأقرَّ به اللسان ، وصدَّقه العمل )) .
[الجامع الصغير عن أنس بسند فيه مقال كبير]
قال عليه الصلاة والسلام :
(( ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا ، وَبِالإِسْلامِ دِينًا ، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا )) .
[ من صحيح مسلم عن عبد المطلب ]
الإيمان له طعم ، فالمؤمن يجد حلاوة الإيمان في قلبه ، هذا حديث دقيق :
(( ليس الإيمان بالتمني ـ أيْ التشهّي ـ ولا بالتحلي ـ أيْ التزين بالقول ، ولا بالصفة ـ ولكن ما وقر في القلب ، وأقرَّ به اللسان ، وصدَّقه العمل )) .
[الجامع الصغير عن أنس بسند فيه مقال كبير]
أي أن يأتي عملك مطابقاً لما تصدِّق ، فمع الإيمان إقبال على الله ، وذوق وحلاوة.
3 – كل مؤمن مسلمٌ ، وليس كل مسلمٍ مؤمنًا :
فكل مؤمنٍ مسلم ، وليس كل مسلمٍ بمؤمن ، والإسلام انصياع ، والإيمان تصديق وإقبال ، لكن أكثر الناس أو بعض الناس له فورة ، يفور فورة ويهمد ، هذه الفورة التي تهمد وتنطفئ ليست بالمطلوب ، فربنا عزَّ وجل قال :
﴿ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ (35) ﴾ .
 
وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ
 
1 – معنى القنوت :
 
أ ـ الطاعة :
معنى القانت هو الذي داوم على طاعة الله ..
﴿ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا(23) ﴾ .
(سورة الأحزاب)
البطولة ليست هذه الفورة ، أن تُقْبِلْ على الدروس كلِّها ، وأن تبالغ في طاعة الله ، وبعد شهرٍ أو شهرين تنطفئ هذه الشعلة وتذوي هذه الفتيلة وتعود إلى ما كنت عليه ، فكل مؤمنٍ مسلم ، وما كل مسلمٍ بمؤمن ، ولكن القانت هو الذي داوم على طاعة الله عزَّ وجل ، فلذلك قال الله عزَّ وجل :
﴿ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ (35) ﴾ .
والنبي عليه الصلاة والسلام قال :
(( أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ )) .
[ من صحيح البخاري عن السيدة عائشة]
أنت تعامل خالق الكون ، تعامل الله عزَّ وجل ، عاهدته ، وانتهى الأمر ، عاهدته على غضِّ البصر ، وعلى الصدق إلى الأبد ، أي حتى الموت ، وعلى الأمانة ، والإخلاص فهكذا المؤمن ، فالقنوت هو الدوام على طاعة الله .
ب ـ الانقطاع للعبادة :
بعضهم قال : الانقطاع للعبادة .
لكن المعنى الدقيق المناسب لهذه الآية : الاستمرار ، ولذلك يقولون : البطولة لا أن تنتصر ؛ ولكن البطولة أن تحافظ على هذا النصر ، فقد تنتصر ، ولكن بعد النصر تأتي هزيمة ، ويمكن أن تصل إلى قمة جبل ، لكن البطولة أن تبقى في القمَّة لا أن تنزل إلى الوادي مرَّةً ثانية ، وهناك كثير من الأشخاص يصعدون ثمَّ يهبطون ، ويرتفعون ثمَّ يسقطون ، ويقبلون ثمَّ يدبرون ، ويتألَّقون ثمَّ تذوي هذه الشعلة ـ تنطفئ ـ فالبطولة الاستمرار .
الحقيقة أن المؤمن لا يتأثَّر بالأحداث ، فسواءٌ عليه أأقبلتْ ، أم أدبرتْ ، أهو صحيح الجسم أم مريضه ، أوُفِّقَ في زواجه أم لم يوَفَّق ، أدخله كبير أم قليل ، لقد عاهد الله على الطاعة وكفى ، وهذا معنى القانت ..
﴿ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ (35) ﴾ .
 
وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ
 
صدق الأقوال وصدق الأفعال :
وهنا الصدق له معنى دقيق ، فهناك صدق الأقوال ، وهذا المتبادر عند الناس ، ففلان إذا تحدَّث لا يكذب ، ولكن الصدق هنا صدق الأفعال ، إذا قال : أنا مؤمن ، فتأتي أفعاله مصدِّقةً دعواه ، وإذا قال : أنا مسلم ، فتأتي أفعاله مصدِّقةً لإسلامه ، أو قال : أنا أحبُّ الله عزَّ وجل ، فتأتي أفعاله مصدِّقةً لادعائه حبَّ الله عزَّ وجل ، أو قال : أنا ورع ، فتأتي أفعاله مصدِّقةً لورعه ، فإذا انفصلت الأعمال عن الأقوال وقعنا في كذب الأفعال ..
﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ (35) ﴾ .
 
وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ
 
1 – الإيمان كله صبرٌ :
 
الصبر على التكاليف المتناقضة مع طباع النفوس :
الحقيقة أن الصبر ، ولا أبالغ إذا قلت : الإيمان كلُّه صبر ، لماذا ؟ لأنك في الأصل أنت مكلَّف ، والله عزَّ وجل فطرك فطرةً معيَّنة ، وجَبَلَكَ جبلَّةً خاصَّة ، وجعل التكليف يتناقض مع الجبلَّة ، لامع الفطرة ، فمثلاً : هذا الجسد يحبُّ أن يبقى نائماً في الفراش ، فيأتي التكليف بأن تستيقظ لصلاة الفجر ، فالاستيقاظ مناقضٌ لحبِّ الراحة والاسترخاء ..
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء ﴾ .
( سورة آل عمران الآية : 14 ) .
أُودِعَ فيقلب الإنسان حُبُّ المرأة ، فيأتي التكليف بغضِّ البصر ، وأُودِعَ في الإنسان حبِّ المال فيأتي التكليف بإنفاق المال ، وأودع في الإنسان الهَلَعَ يأتي التكليف بالصبر ، أودع في الإنسان حبُّ الحديث المُمْتِع ، جاء التكليف الكَفِّ عن الغيبة والنميمة ، فلو تتبَّعت أوامر الله كلَّها لوجدت أنها مكلفة مجهدة ، تحتاج إلى إرادة ، وتصميم ، وعزيمة ، فيكفي أن يسهو الإنسان ، وأن ينساق مع شهوته حتى يصبح من أهل النار ، وهكذا قال عليه الصلاة والسلام :
(( أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ، ثَلاثًا ، أَلا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ )) .
[من مسند أحمد : عن ابن عبَّاس]
أي أن تنساق مع حظوظ نفسك ، وأن تتحدَّث كما تريد ؛ من دون رقابة ، وانضباط ، وأن تأكل ما تشتهي ، وتنظر حيثما تشاء ، فإطلاق البصر ، وإطلاق الأذن لسماع ما تحب ، واللسان ، واليد ، والرجل ، والتعليق ، والكلام ، وممارسة الشهوات ـ (( إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ـ سهوةٌ واحدة ، أو غفلةٌ واحدة ، ينساق الإنسان وراء شهواته ـ إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ )) ، فطريق الجنَّة محفوف بالمكاره ..
(( حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ )) .
[ من صحيح مسلم : عن أنس بن مالك]
قد يكون المسجد غير مدفَّأ ، تجلس على ركبتيك ، ولكن في الملاهي مقاعد وثيرة جداً ، وضيافة ، وأشياء ، وإمتاع للعين ، وللأذن ـ(( حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ)) .
لذلك الصبر هو الإيمان ، وأنت في الأصل أُودِعَت فيك شهوات وجبلَّة خاصَّة ، وجاء التكليف على عكسها ..
﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) ﴾ .
( سورة النازعات )
﴿ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ (35) ﴾ .
 
الصبر واجب على الفقير والغني معًا :
 ولذلك من السذاجة أن نظن أن الفقير عليه أن يصبر ، لا والله ، لأن الغني عليه أن يصبر أكثر ، لماذا ؟ لأن الفرص المتاحة للفقير أقل بكثير من الفرص المتاحة للغني ، فإذا ذهب غنيٌ إلى بلدٍ غربي ، بإمكانه أن يفعل كل شيء بماله الكثير ، فإذا ضبط نفسه من الفندق إلى المكتب إلى المطار إلى دمشق ، ولم يذهب إلى هنا وهناك ، فليس الصبر خاصاً بالفقراء؛ بل الصبر خاصٌ أيضاً بالأغنياء ،و ليس الفقر خاصاً بالضعفاء ؛ بل هو يشمل الأقوياء ، وليس خاصاً بالمرضى ؛ بل هو يشمل الأصحاء ، والصبر هو أن تضع نفسك في الطريق الصحيح وأنت في صحَّتك ، وقوَّتك ، وغناك ، وهذا معنى قوله تعالى :
﴿ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ (35) ﴾ .
 
الصبر على الأمر التكليفي والأمر التكويني :
 
وبالمناسبة هناك صبرٌ على أمر الله التكليفي ، وهناك صبرٌ على أمره التكويني :
1 – الصبر على الأمر التكليفي :
الأمر التكليفي افعل ولا تفعل ، أمر ونهي ، إذاً هناك  صبرٌ عن الشهوات ، وصبرٌ على الطاعات .
2 – الصبر على الأمر التكويني :
أما الأمر التكويني فهناك صبرٌ على قضاء الله وقدره ، وقد شاءت حكمة الله أن تكون كذا ، كأن يكون لك دخلٌ محدود ، أو دخلٌ غير محدود ، وأن تُرْزَقَ بناتٍ فقط ، أو ذكوراً فقط ، أو ذكراً وبنات ، أو أن تكون عقيماً ، هكذا شاءت حكمة الله عزَّ وجل .
عليك أن تصبر على أمر الله التكليفي ، بأن تصبر على الطاعات ، وأن تصبر عن الشهوات ، وعليك أن تصبر على أمر الله التكويني ، أي على قضاء الله وقدره ..
﴿ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ (35) ﴾ .
 
والخَاشِعينَ والخَاشِعَاتِ : 
 
1 – الخشوع في الصلاة مِن أسباب الفلاح :
الخشوع كما قال الله عزَّ وجل :
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2) ﴾ .
( سورة المؤمنون ) .
حالة استعظامٍ لله عزَّ وجل تملأ القلب ، إذاً كلَّما ارتقى إيمانك زاد خشوعك ، حتى إن بعضهم قال : ليس الخشوع من فضائل الصلاة بل من فرائضها ، لقوله تعالى :
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1)الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2) ﴾ .
( سورة المؤمنون ) .
2 – معرفة الله سبب للخشوع في الصلاة :
كلَّما عرفت الله أكثر خشع له قلبك ، وكلَّما قلَّت معرفة الله عزَّ وجل قلَّ خشوعك ، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام وقد رأى رجلاً يصلي ، يقوم بحركات كثيرة ، فقال عليه الصلاة والسلام :
(( أما هذا لو خشع قلبه لخشعت جوارحه )) .
[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]
فالخشوع أن يمتلئ قلبك تعظيماً لله ، ولن يمتلئ قلبك تعظيماً لله إلا إذا فكَّرت في آيات الله ، ودقَّقت في دلائل عظمته تعالى .
﴿  وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ (35) ﴾ .
 
 وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ
 
1 – الصدقة دليل الإيمان :
الحقيقة أنّ الإنسان ما لم يبذل من ماله يبقى الإسلام عنده كلاماً فارغاً ، هذا ما جاء في الآية الكريمة :
﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ والأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133) ﴾.
( سورة آل عمران )
الصفة الأولى :
﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾ .
( سورة آل عمران : من الآية134 )
 
2 – الصدقة دليل حب العبد لله تعالى :
حينما تنفق المال تؤكِّد أنك تحبُّ الله عزَّ وجل أكثر من هذا المال ، فإذا كان حبُّك للمال أكثر من الله عزَّ وجل فإنك لا تنفق ، فإنفاق المال دليل حبِّك لله عزَّ وجل ، فالإيمان له مظاهر جلية ـ قمن لم يكن له ورعٌ يصدُّه عن معصية الله إذا خلا ، لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله .
لو فرضنا أنك في غرفةٍ وحدك ، وهناك نافذة للجيران ، بدت منها امرأة ، وأنت وحدك ، ولا أحد يراقبك غضضت بصرك عنها ، فهذا يدل على خشيتك لله عزَّ وجل ، إذ توجد أعمال تؤكِّد ذلك ؛ منها غضُّ البصر ، ومنها ضبط اللسان ، والجوارح ، والتصدُّق ، فتأكَّد أنك إذا تصدَّقت بصدقةٍ ، وأخفيتها عن الناس ، فهذا دليل صدقك وإخلاصك التأمين ، فلذلك ورد من صفات المؤمنين :
﴿  وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ (35) ﴾ .
3 – الصدقة أنواع كثيرة :
وهناك إنسان تصدَّق بماله ، وإنسان تصدَّق بعلمه ، وثالث بخبرته ، ورابع بجاهه ، وخامس بمكانته ، وسادس بوقته ، وآخر تصدَّق بعرضه .
فهذا أبو ضمضم ، وهو أحد أصحاب رسول الله ، ما معه شيء ، دعا الله عزَّ وجل وقال :
((اللهمَّ إني تصدَّقت بعرضي على المسلمين ، فمن تحدَّث عني بما أكره فقد سامحته )) .
[ سنن أبي داود عن قتادة ]
أحياناً تسامح الناس ، فأنت تصدَّقت بسمعتك التي هي أغلى شيءٍ عندك ، وعلى كلٍ فالصدقة ليست مقصورة على إنفاق المال ، وما من صدقةٍ أعظم عند الله عزَّ وجل من كلمة الحق ، وأفضل صدقةٍ أن يتعلَّم المرء علماً ثمَّ يعلِّمه أخاه المسلم ، فذه أفضل صدقة ..
﴿ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ (35) ﴾ .
  
 وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ
 
1 – معنى الصيام في هذه الآية :
المعنى العام :
هنا الصيام كما قال بعض العلماء : لا علاقة له بالصيام الذي فُرِضَ علينا في رمضان ، فصيام رمضان صيام شهر ، أما هنا فجاءت بشكل مستمر ، أي من صفات المسلم أنه صائم ، معنى صائم أي ممتنع عن كل ما لا يرضي الله .
المعنى السياقي :
إضافةً إلى معنى الصيام الذي جاء في القرآن ، فما دام الصيام هنا صفةً مستمرَّةً في الإنسان ، إذاً هو الانقطاع عن كل ما لا يرضي الله عزَّ وجل ..
﴿  وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ (35) ﴾ .
 
وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ
 
أيضاً حفظ الفرج من دلائل الإيمان ، لأن غير المؤمن ينطلق على سجيَّته من دون ضابط ، أساساًلا يُحْفَظُ الفرجُ إلا بغضِّ البصر ، لقوله تعالى :
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾ .
( سورة النور الآية : 30 ) .
فلمَّا جاء غض البصر قبل حفظ الفرج ، فُهِمَ من هذا الترتيب أن طريق حفظ الفرج غَضُّ البصر ، وأن طريق انحراف الإنسان إطلاق البصر ..
﴿  وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ (35) ﴾ .
والمرأة إذا صَلَّت خمسها ، وصامت شهرها ، وحفظت نفسها ، وأطاعت زوجها دخلت جنَّة ربِّها  ..
﴿  وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ (35) ﴾ .
 
وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ
 
قال تعالى :
﴿  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43) ﴾ .
 
﴿ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35) ﴾ .
 
العبرة العامة من الآية :
 
أيها الأخوة الأكارم ... من دلائل هذه الآيات أن نتمثَّلها ، أي أن تكون مسلماً ، ومؤمناً ، وقانتاً ، وصادقاً ، وصابراً ، وخاشعاً ، ومتصدِّقاً ، وصائماً ، وحافظاً لفرجك ، وذاكراً لربِّك حتَّى تستحق أن يُعدَّ الله لك مغفرةً في الدنيا وأجراً عظيماً في الآخرة .
وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى نبدأ بقوله تعالى :
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36) ﴾ .
 
تمهيد للدرس اللاحق :
 
هذه الآية أيها الأخوة لها أسباب نزول ، والعلماء يقولون : إن خصوص السبب لا يتنافى مع عموم اللَّفظ ، فمن إعجاز القرآن أن تأتي بعض الآيات ، ولها أسبابٌ وقعت في عهد النبي ، أما تأتي صيغتها بطريقةٍ تُعَدُّ قانوناً يمضي به الإنسان إلى يوم القيامة ، ففي الدرس القادم إن شاء الله نفسِّر هذه الآية والتي تليها .
 
والحمد لله رب العالمين
 

 



رسائل الإيمان

جميع الحقوق محفوظة لإذاعة القرآن الكريم 2011
تطوير: ماسترويب